الجمعة، 10 أغسطس 2012

الدرب المسكون 4



القاهرة 2012 :-

أستيقظ محمود الدياش على صوت أبيه و هو يقول " أصحى بقى يا أبنى انت أيه ما بتزهقش نوم " فصاح محمود من داخل غرفته " صحيت خلاص صحيت " و تذكر أحداث كابوسة الذى أصبح يتكرر فى كل ليلة تقريبا فمنذ زيارته الاخيرة لصرح العطارة الذى ورثه أبوه عن جده عبد العظيم الدياش و هو يحلم يوميا نفس الحلم الذى يبدأ عادة بكتاب أسود سميك و يدخل محمود ليرى جده يجلس بصحبة ثلاثة من الغرباء و ينهض الجميع لتحية محمود و يسلمه أبيه الكتاب و عندما يهم بالجلوس معهم على نفس الطاوله يداهمه الصوت المحشرج الغريب " ما تقعدش انت لسه ما روحتش هناك " فيستيقظ فزعا غارقا فى العرق و عادة ما يتزامن أستيقاظة مع صوت أبيه و هو يصيح كالعادة فبعد موت الام أصبح أبيه هو من يقوم بمهام الام المعتاده و هى " يصحيه من النوم ، يحضر الفطار ، ينزل على دكاكين العطارة التلاتة و طبعا يستقر فى دكان حارة اليهود "  و ينزل محمود قاصدا سنتر الترجمة الذى يعمل به منذ تخرجه من كلية الاداب قسم اللغة الانجليزية يقضى نهارا مفعما بالترجمة الى ان تأتى الساعة السادسة مساءا بالطبع فى ذلك الوقت كان خالد الدياش والده يجلس على المقهى القديم فى حارة اليهود مقرقرا للشيشة و لاعبا للضومانه و مطلقا الكثير من السبات و الاصوات البذيئة من فمه او يجلس مثرثرا مع أحدى اصدقاءه عن أيام الطفوله و كيف انه أستلم دكان والده منذ 24 عاما و كيف بذل الجهد و العرق لكى يجعل منه سلسلة صغيرة نسبيا من المحلات قدرت بثلاث محلات فى المهندسين و مدينة نصر و بالطبع فاتحة الخير دكان حارة اليهود اما محمود فيذهب بعد السادسة الى المنزل لتغيير ملابسه ثم يذهب قاصدا الكافيتيريا حيث يلتقى بأصدقاء الدراسة ليثرثران معا فى شتى الامور او ليقوموا بلعب الاوراق قليلا ثم يذهب الى المنزل حيث النوم ثم النوم ثم النوم و هكذا صار الروتين رتيبا أعتاد عليه محمود منذ وفاة أمه و مكوثه وحيدا مع والده و لكن فى ذلك اليوم بدأ محمود كلامه على الافطار بعبارة " الا قولى يا حاج هو جدى كان ليه صحاب " فرد والده " امال كان مقطوع من شجرة جدك كان شيخ العطارين فى الحسين و الجماليه " فقال محمود " لا ما أقصدش كان ليه صحاب قريبين يعنى كان مثلا ليه صاحب زيك انت و عم عبد الباسط " فقال والده " اااااااااااااه فهمتك كان ليه 3 صحاب عمى أسحاق الله يرحمه كان صاحبه أوى هو و عمك السمادونى بس دا ما أوعاش عليه و عمك شمعون اليهودى بس دا مشى من الحته بعد النكسة كان ساعتها عندى 5 سنين و عمك أسحاق كان بيعيط ساعتها ربنا يرحم الجميع و يوصلنا ليهم و احنا واقفين على رجلينا و يرحمنا من ذلة الكسرة و غلب المستشفيات " فقال محمود " بعد الشر عليك يا حاج خالد دا انت الخير و البركة " فقال خالد " بس انت بتسأل ليه الاسئلة ديه كلها " فقص محمود على والده كابوسه المتكرر فقال والده " الكتاب الاسود ده انا فاكر ان عمك أسحاق أداهولى ابقى عدى على فى المحل شوفه و لو كده تصليلك ركعتين فى الحسين بدل ما انت ما بتركعهاش و وشك بقى شبه الكفار جتك داهية " فضحك محمود و قال " الملافظ سعد يا حاج " فرد والده " يلا يا ابن الكلب هاتعلم أبوك الكلام " و ضحك الاثنان و انهى محمود أفطاره و نزل قاصدا العمل و بمجرد وصوله الى سنتر الترجمة حتى وجد الكثير من الجلبة و مياة تصنع مجسما مائيا فى الشارع لنهر النيل و مدير السنتر يجلس واضعا راسه بين قدميه فقال محمود بلهجة غاضبة " أيه اللى حصل يا أستاذ سعيد " فقال سعيد مدير السنتر " ماس كهربا و السنتر ولع حسبى الله و نعم الوكيل العوض على اللى منه العوض قدر الله و ما شاء فعل " فقال محمود و هو يربت على كتفه " اللى حصل حصل ربنا هايعوضنا أن شاء الله " فقال سعيد " أتكل على الله مالكش لازمة هنا روح و انا هابقى اتصل بيك " فقال محمود " طب بجد مش عايز أى خدمة او اى حاجة اقدر اقدمها " فقال سعيد " شايلك لكبيرة أتكل على الله " فذهب خالد حزينا الى محل والده ليجد الحاج حسن الذى كان بمثابة علامة من علامات الدكان فقد كان حسن هو الصبى الخاص بالحاج عبد العظيم الدياش و بمجرد رؤيته الى محمود حتى ضاقت حدقتيه محاولا استبيان القادم فقال محمود " البس النضارة يا عم حسن بقى بدل ما انت مقضيها بربشه و خايلتنا معاك " فقال حسن بنبرة ضاحكة " لسانك سم زى جدك بالظبط أزيك يا ... ما بتجيش ليه " فقال محمود و هو يقبل رأسه " مشاغل بقى يا عم حسن الواحد عايز يتجوز " فقال حسن " و انتوا اللى زيكوا يعرف يتجوز دا انتوا يادوب تمسكوا أيد و تناموا جمب مراتاتكوا جيل خرع ابن صرمه " فقال محمود " لا خلى بالك ما تجمعش انا حفيد الدياش حاسب بقى و خد بالك " فقال حسن " المهم انت واد غلباوى و انا مش هاخد فى اهلك حق و الا باطل أبوك سايبلك كتاب جوا خش شوفه " فذهب محمود ناحية المكتب العتيق المطعم بالنحاس ليجد كتابا أسود ثقيل موضوعا على سطحه عرف بمجرد رؤيته انه الكتاب الذى يراه يوميا فى كابوسه و بمجرد ان حمله بين يديه حتى أحس بحرارة خفيفة تلم بجسده و سرح حالما بلعض الوقت فى بعض الاشياء المشوهة حتى أيقظه صوت فرمله فجائية لعربة و بعض الهياج خارج المحل فركض ليرى ما يحدث فسمع فى طريقه الى الخارج صوت صريرا عنيفا لسيارة تحاول الفرار و عندما وصل الى خارج المحل كان أباه الحاج خالد الدياش يرقد على الارض و تنساب الدماء من جسده ككيس مثقوب فتسمر محمود فى مكانه للحظة ثم أنهار فاقدا لوعيه .....

يتبع
محمد محسن  

ليست هناك تعليقات: