الأحد، 12 أغسطس 2012

الدرب المسكون 5



أختلف الامر بعد مرور شهرين على الوفاة فبعد التحقيقات و حفظ الحادث ضد مجهول مع وعد من الشرطة بأنه " هانجيب أمه لو فى بطن الحوت " كان لابد من أن يستأنف محمود الدياش حياته بعد وفاة والده و بالفعل بعد مرور شهرين من العزلة قرر محمود الذهاب اليوم الى محل حارة اليهود لكى يباشر أعمال والده بالرغم من افتقاره لاسماء الاصناف و خبرة العمل و لكنه فى تلك الايام كان يعتمد بشكل كامل على الحاج حسن الذى أصبح بمثابة الاب الروحى لمحمود و عندما وصل محمود الى المحل استقبله الحاج حسن استقبالا حافلا و قال له " خش اقعد على المكتب و أملا مكان ابوك و ما تشيلش أى هم انا معاك لحد ما تبقى أشطر منى " فقال محمود " العفو يا عمى حسن المهم أيه أخبار الشغل " فقال حسن " و الله الناس كلها متشوقه الحاج الله يرحمه لكن الحمد لله الشغل ماشى زى الفل ببركه ربنا الحمد لله رب العالمين فضل و نعمة " فقال محمود " حد من أخوات أبويا جه " فقال حسن و هو يحاول تغيير الموضوع " بص بقى اول حاجة تاخد بالك منها دفتر اليومية و...." فقاطعه محمود " حد من أخوات أبويا جه ما تتوهش يا عم حسن " فقال الحاج حسن " لا يبنى ما حدش جه " فقال محمود و هو يشعل سيجارة " انشلا عنهم ما جم عالم بنت ستين كلب واطيه " فقال حسن " عيب يا محمود ما تقولش كده " فقال محمود بعيون دامعه " و مش عيب انى انا افضل لوحدى شهرين ما أحسش ان ليا أهل و عزوة ما أحسش ان ليا ضهر انا كنت بخاف لما الشقة تسكت و ابقى لوحدى من غير نفس الحاج " فقال حسن و هو يربت على كتفه " اللى راح راح يا أبنى تعالى اعرفك على الشغل " ......
بعد مرور أسبوعين من روتين العمل الجديد أعتاد محمود على التنقل بين الثلاث محلات و الذهاب الى مركز الترجمة تحت الانشاء الذى يشيده بعدما أستلم الميراث و فى هذا اليوم جلس محمود فى محل حارة اليهود يتابع الاشخاص الذين يدورون كخلية نحل ملبيين طلبات الزبائن و لفت نظره بعض الطلبات الغريبة التى تتلى على أحدى العاملين فى المحل فأرهف السمع و استمع الى المقادير بأستغراب فقد كانت السيدة تقول ( عايزة دم غزال و جوزة الطيب و حجر أسود و دستة شمع و بخور مغربى و دستة فحم الشعلة ) فقام محمود بالمناداه على الحاج حسن و قال " حاج حسن الست ديه هاتعمل أيه بالحاجات ديه " فقال الحاج حسن " الله أعلم تقريبا زار او حضرة مشبوهة حاجات كده بتاعه الناس القديمة " فقال محمود " طيب الا قولى هى الحاجات ديه بجد بتضر و بتأذى و كده " فقال حسن " الله أعلم يا أبنى بس هى حرام و بتغضب ربنا ربنا يهدى الناس و يهدينا أمين يا رب " فذهب محمود ليستبين هيئة السيده فوجدها سيدة تقارب الخمسين تلفح جسدها بعباءة سوداء أظهرتها كملكة فى العوالم المظلمه وعصبة سوداء و كحل كثيف حتى ظن محمود انه ينقصها عصا العراف و تقوم بأثارة العواصف و الزعابيب فقال لها محمود " يا رب بضاعتنا تعجبك يا حجا " فنظرت له نظرة صامته و قالت " البقية فى حياتك عامل أيه دلوقت " فقال محمود " الحمد لله ربنا يرحم الجميع انتى كنتى تعرفى الحاج " فقالت " طبعا انا زبونته من 35 سنه من و انا عندى 10 سنين و انا باجى أشترى من هنا " فقال محمود " الدكان نور يا أهلا وسهلا اتفضلى ارتاحى طيب لحد ما الولا يجهزلك طلبك فى حاجات هايروح يجيبها من المخزن اتفضلى " فقالت " لا خلاص هاروح انا و ابقا ابعتلك بنتى تاخد الحاجة أن شاءالله ماشى يا أستاذ " فقال محمود " تحت أمرك أن شاء الله تيجى تلاقى الحاجة جاهزة " فقال محمود الى الحاج حسن بعدما ذهبت السيدة " تعالى هنا بقى انت ليه ما قولتليش انها زبونه من 35 سنة هنا " فقال حسن " بص يبنى الست ديه بصراحة ما برتحلهاش و الا برتاح لبنتها و بصراحة ما كنتش عايز ابيعلها حاجة من الاصل و ياما اتعاركت انا و المرحوم علشان الموضوع ده فقال محمود " على أيه كل ده يا عم حسن زبونة تيجى تشترى و خلاص " فانفجر حسن بلهجة عصبية " مره بنت كلب سحاره و بتاعه أعمال و كلام أستغفر الله العظيم و بنتها فرحانة بنفسها و ماشية تتهز طول النهار فى الشارع و عيون الشباب ياكلوها حاجة زى الخرة مش عارف أقول أيه " فقال محمود " كل ده و مش عارف تقول أيه حرام عليك انت عايز تقول أيه تانى " فقال حسن " ربنا يهدى الجميع هى خدت طلبها و الا لسه " فقال محمود بنبرة استفزاز " هاتبعتلى بنتها علشان تاخده " فقال حسن " بنتها الهى تتبنى فى حيطة هى هاتلف عليك انت كمان و الا أيه " فقال محمود " انا كمان و هى لفت على حد قبلى " فقال الحاج حسن " أمها لفت على أبوك سنين بس الله يرحمه كان ابن سوق و الدنيا دعكاه كان ملاعبها عالشناكل و ما كانتش عارفة تاخد فيه حق و الا باطل انما انت هاتندب زى الجردل لما تشوف المحروسة بنتها و شهرين و هاتلاقيك ملفوف و متجوز و نايم جمبها زى الباشا ما انا عارفك أهبل و ينضحك عليك " فقال محمود " و النبى و الا الف زيها انت عارف ماليش فى الكلام ده هى السيجارة و كوباية الشاى و اتعشت الله يخربيوتكوا علمتونى كلام ما كنتش عمرى بقوله انا كنت بتكلم لغات يا عالم يا لمامة " فضحك الحاج حسن و قال " ربنا يخلينا ليك و نعلمك حاجات تانية خليك تنشف بدل الطريان اللى انت فيه ده " فقال محمود " انا طرى طب تعالى فى المخزن و نشوف مين الطرى " فضحك الحاج حسن و لكزه فى صدره " يلا يا ابن الدياش يا اللى شبه جدك " فقال محمود " المهم هاتاخد الصناديق اللى جوا و تروح بيها لهانى أسحاق فى القهوة الصرفية بتاعة كل أسبوع و قوله محمود بيقولك تعالى عالقهوة النهاردة بلاش تفلق زى أمبارح "
كان هانى أسحاق هو الولد الوحيد ليوسف أسحاق الولد الوحيد أيضا لاسحاق الدخاخنى صديق عبد العظيم الدياش و كان محمود الدياش و هانى أسحاق رفقاء طوال سنين الدراسة و بعد التخرج عمل هانى فى توسيع مجال والده وجده فافتتح كافيه فى شارع عباس العقاد بالاضافة الى مجموعة المقاهى البلدى فى حارة اليهود و الجمالية و الحسين و السيدة زينب و بمجرد ذهاب الحاج حسن الى هانى ليسلمه صرفية الاسبوع من الشاى و السكر و البن و الكاكاو و مختلف أنواع المعسل حتى رأى محمود فتاة تتبختر قادمة فى أتجاه الدكان جعلته بصورة أليه يردد أغنية سمعها ليلة البارحه قالها محمود عبد العزيز فى فيلم الكيف المشهور " تعالى تانى فى الدور التحتانى ناكل لحمة ضانى و نحلى بسودانى "
كانت مثال للفتاة البلدى أوى العباءة السوداء و الشبشب الاحمر الكعب ال10 سم و الطرحة الملفوفة فى منتصف الرأس يصارع للخروج من تحتها شعرا ناعما كان من الواضح ان (الماشيت ) لسه معمول طازة و عيون سوداء واسعه يحدهما الكحل اللاسود القاتم  و شفتان بلون الكريز المثلج وبداخل الفم تلاك اللبانة المتعاده و قالت بمجرد رؤيتها لمحمود " انت الاستاذ محمود " فقال محمود " و لو مش انا نجيبه من بيتهم اامرى " فقالت " ماما قالتلى أنزل أجيب الطلب اللى هيا كانت قايلاه " فقال محمود " الطلب و الدكان و صاحب الدكان تحت أمرك بس انتى أأمرى " فضحكت و هى تدارى الضحكة لتبرز صفين من اللولى الابيض المرصوص بعناية و قالت " شكرا يا أستاذ فين الطلب " فقال محمود " طيب انا هاديلك الطلب و انتى أدينى طلبى " فقالت بنبرة أستغراب " طلب ايه " فقال محمود و هو يقترب و يتكىء على البنك الموضوع أمامه " أسم القمر أيه " فضحكت الفتاة و قالت " عايزة الطلب خلصنى عايزة أمشى " فأعطاها محمود الطلب فقالت " الحساب كام " فقال محمود مداعبا " زى كل مرة " فقالت الفتاة و هى تبتسم " اللى هو كان كام كل مرة " فقال محمود " روحى اسألى الحجه و تعالى ادفعى " فقالت " و ليه المشوره ما تقولى كام " فقال محمود " يعنى احنا عايزين نشوفك تانى حرام يعنى ؟ " فقالت الفتاة " انتوا مين ؟ " فقال محمود " انا و عيونى " فضحكت الفتاة و أعطته الحساب و قالت " أسمى منال " و أدارت ظهرها و مشت فى أتجاه منزلها و كلما تتمايل فى مشيها يقول محمود " و الله الحياة سهله خالص أهيه امال انا كنت قافل على نفسى ليه " و هنا رن هاتفه المحمول مشيرا الى ان هانى أسحاق يتصل فرفع محمود سماعة الهاتف و قال " اما يالا يا هانى كان عندى واحدة دلوقتى انما أيه ماشية بمبدأ انا مزة و زى الفل انا حلوة و غايظة الكل " فقال هانى " طيب سيبك من البحلقة فى جسم النسوان و شوف شغلك عدل باعتلى كتاب أسود مع المعسل و المعسل الليمون ناقص باكوين و السكر ناقص نص باله اشتغل بقى بروح أمك عدل و بطل النسوان هنا هاتهبلك انت كان أخرك ماهيتاب بتاعة 3 أداب " فقال محمود " كتاب و معسل و سكر ناقصين طيب انا كده هالبس نضارة سودا علشان اشوف شغلى طب اقفل هاشوف انا الحكايه ديه و ابقى قابلنى النهارده عالقهوة " و اغلق محمود الخط و هو يقول " كتاب أيه ده " و فى تلك اللحظة كان الحاج حسن يدلف الى المحل و قال لمحمود " انا داخل المخزن اجيب الحاجات الناقصة لهانى كان فيه الكتاب الاسود ده فى الصندوق هاحطهولك على المكتب جوا " و دلف الحاج حسن الى المخزن و جلس محمود يطالع الكتاب الذى اصبح يعرفه جيدا من رؤيته فى أحلامه حتى سمع صوت تحطم و صرخة طويله أعقبها صمت مطبق سقط على اثرها الحاج حسن على ارضيه المخزن و رأسه تنزف أنهار من الدماء بعدما تلقى صفائح العسل واحده تلو الاخرى حتى اودته صريعا على أرضيه المخزن وسط المزيج من الدماء و العسل الاسود " ........
يتبع
محمد محسن   

ليست هناك تعليقات: