الفصل السابع : ضربة شمس :-
كان جالسا فى ركن هادىء بعيد أسفل شجرة كبيرة تلقى بالظلال فوق جسده ، أرتكن الى جذعها و أغمض عينيه محاولا النوم ، كانت هذة أول مرة يخرج بمفرده مع أصدقائه فى اولى سنوات المرحلة الأعدادية ، قادته أفكاره الى عالم بعيد أمتزج فيه الظلام و النور مغلفين المشهد بلون رمادى كئيب ، و لكنه مع ذلك ممتع ، فتح عينيه فرأها أمامه كاشفة عن أنيابها مستعدة لتلدغه فانتفض أحمد السماك ليجد نفسه مازال خاضعا الى سرعة القطار المتجه ألى طنطا ، ترك العمل و قرر السعى وراء المجهول ، رصيده فى البنك يكفيه ليحيا حياه كريمة معتمدا على الفوائد فقط ، أتجه ألى طنطا بمفرده لمقابلة المدعو منصور الحامولى الذى زعم الدكتور منير أنه يمتلك جميع الخيوط ، وصل القطار و هبط أحمد السماك ليقف على رصيف محطة طنطا تلفحه البرودة الشديدة ، اشعل سيجارته و قام بسحب كمية هائلة من الدخان و نفث أياها فى بطىء شديد ، جلس فى سيارة الأجرة حتى وصل الى المرشحة و قام بالسؤال عن الحاج منصور الحامولى ليصل فى النهاية ألى بيته ، طرق الباب فلم يفتح أحدا ، المنزل كان واسعا ذو بوابة حديدية عتيقة ، أقرب المنازل يبعد عنه مسافة العشرون دقيقة سيرا ، أرض فضاء واسعة زرعت بالكامل و حديقة جفت أشجارها لتصوب سهامها العجاف ناحية السماء و فى الأتجاهات المختلفة ، طرق مرة أخرى فسمع جلبة أتيه من الداخل ، فتح الباب الخشبى الداخلى و أطل وجه ستينى العمر و حدق بثبات عجيب فى وجه أحمد فقال أحمد "الحاج منصور الحامولى " فرد الرجل " انا عملت عمرة بس ما حجتش أنت مين " فقال أحمد السماك " انا محاسب أحمد السماك كنت جار الدكتور أمين الله يرحمه و الدكتور منير هو اللى قالى أجى لحضرتك " فقال منصور الحامولى " و تيجى لحضرتى ليه ؟ " فقال أحمد السماك " الدكتور أمين تعيش أنت " فقال منصور " أنت لسه قايل أنك جار الدكتور أمين الله يرحمه يعنى أنا عرفت أنه مات برده أنت جاى ليه " فقال أحمد " جاى علشان أفهم أيه اللى بيحصل " فنظر منصور الحامولى بثبات الى أحمد ثم ضغط زر بجانب الحائط ليصدر عن الباب المعدنى تكة خفيفة ليدلف على أثرها أحمد السماك ألى داخل الحديقة ليرى قبرين حفرت أسماء أصحابهما و لكن لم يستطع أحمد القراءة ، دلف ألى الداخل ليجد نفسه ينظر الى منزل كمنازل الأنجليز فى حقبة العصور الوسطى ، سقف شاهق و أساس كلاسيكى و أتربة تغطى كل شىء ، أقتلعه منصور الحامولى من أفكاره بقوله " فى أيه ؟ " فقال أحمد " لا أبدا مافيش حضرتك اللى المفروض تقولى فى أيه " فقال منصور الحامولى " بص يبنى أنا مش ناقص قول جاى ليه يا أمه تتفضل تطلع برا " فقال أحمد " دم الأفعى أتكتب على حيطان بيتى و أنا فتحت الشنطة " فأحس أحمد بتصدع فى جبل الثلج المتمثل فى منصور الحامولى الذى قال " روحت سوهاج و الا لسه ؟ " فقال أحمد " روحت " فقال منصور و هو يهز رأسه " أنا نسيت أضايفك تشرب أيه " فقال أحمد متمسكا ببادرة الأمل " قهوة لو موجودة " فقال منصور " مفيش غيرها ثوانى و أجيلك .
الثالثة عصرا : حديقة منزل منصور الحامولى :-
جلس أحمد فى مواجهة منصور الحامولى يحتسى القهوة و نظرة مثبت على القبرين فقال منصور الحامولى " مراتى و بنتى الله يرحمهم " فقال أحمد " الله يرحمهم و يسامحهم " فقال منصور " نبتدى من سنة 1982 بالتحديد يوم 15مايو 1982 يوم وفاة أبن الدكتور أمين يوميها الدكتور مات مع أبنه اللى كان عايش كان مجرد خيال أنسان دفن نفسه فى الشغل علشان ينسى ، سنة 85 الدكتور أمين سافر جنوب أفريقيا و رجع أحسن من الأول بكتير ، أنا قولت أكيد تغيير الجو و الناس الجديدة خرجوه من الحزن اللى كان فيه ، سنة 88 مراتى و بنتى ماتوا فى حادثة عربية على الطريق الزراعى ، أنا و أمين أصحاب من و أحنا شباب فى ثانوى و لحد ما كبرنا و أحنا أصحاب برده بعد وفاة مراتى و بنتى قعدت حوالى 4 أيام صايم و كنت هاموت جالى أمين و قالى على الفكرة اللى هو شغال عليها من ساعة ما رجع من جنوب أفريقيا طبعا الفكرة ما تليقش بناس علميين زيى و زية على فكرة انا دكتوراه فى الكيمياء الحيوية بس تعرف يا أستاذ أحمد صدمة فقدان شخص كان كل دنيتك بتخليك أكثر جهلا من الناس اللى عايشة فى الكهوف طول عمرها أشتغلنا على الفكرة بأسلوب علمى و حاولنا نبعد عن أسلوبه الحقيقى و فعلا وصلنا لحاجة تقدر تقول أنها أكتشاف علمى خاص بينا أحنا الاتنين بص مهما حاولت أفهمهالك مش هاتفهمها دى عقيدة مترابطة الجوانب زيها زى الكابالا و الماسونية و الجماعات السرية القوية على مدار التاريخ كل اللى حصل أن الموضوع خرج من أيدينا و ما عرفناش نعمل أيه تقدر تقول انقلب السحر على الساحر بشكل أو بأخر أنا أسف لو كان كلامى لهجته تقيلة شوية ( فأوما أحمد السماك برأسه بمعنى ما فيش مشكلة كمل ) فأكمل منصور الحامولى كلامه " بص انا عارف انك مالكش ذنب و عارف كمان أن أمين فى أخر الأيام عقله حصله أنهيار تام بص يا أبنى أنت مش هاتعرف تهرب و مش هاتعرف تكمل لوحدك لأن الموضوع أكبر منك بكتير روح لواحد يعتمد عليه و يقدر يساعدك و لما توصلوا لأخر المشوار أوعوا تخافوا أنتوا الأقوى و الأعلم و الأقدر و الأحق أنا أيامى معدودة فى الحياة و خايف لما أموت ما أقدرش أجاوب على سؤال من أسئلة منكر و نكير ساعتها بس هاحزن لانى هابقى عشت فى نار فى الدنيا و نار فى الأخرة " فقال أحمد السماك " انا مش قادر أفهم أنتوا عملتوا أيه لحد دلوقتى " فقال منصور الحامولى " لو عايز تقابل واحد ميت تعمل أيه " فقال أحمد " نعم ؟ " فقال منصور الحامولى " لو عايز تقابل واحد ميت تعمل أيه " فقال أحمد " هاقابله فى حلم مثلا أو هاموت و أروحله " قالها بسخرية ليرد منصور قائلا " بالظبط الحلم مش بأيدك و الموت هايبقى كفر احنا حاولنا نوجد منطقة وسط بين الأتنين " فقال أحمد السماك " بين أيه و أيه حضرتك " فقال منصور الحامولى و هو يسعل بشدة " ن..ي.م.ن..ى ..ج..م...ب. ... مر...اتى...و....ب.نن......تى " ثم صدرت عنه حشرجة عميقة فارقت الحياة جسده بمجرد أنتهاءها تاركه أحمد جاحظ العينين يعانى من غثيان شديد يدفعه لافراغ معدته على الأرض معانيا من الشلل النصفى المؤقت الذى منعه من القيام و محاولة الفرار من المكان شاعرا ببرودة عنيفة كأنه أنتقل الى الاسكا .... فجأة لمعت فى عقله فكرة ضرورة الحصول على أجابات فقام و سار ناحية القصر فى برود تام و هدوء قاتل و قام بفتح باب القصر و بدأ فى التفتيش عن أى شىء و لم يكن ينتوى الأنتهاء من التفتيش
حتى أشعار أخر
يتبع
محمد محسن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق